من محاولة قتل إلى غسل الأموال بالملايين.. خفايا مبنى في هودينغه
في مبنى صناعي أحمر يقع في عمق إحدى المناطق الصناعية، تتقاطع في هذا المبنى أوضاع سكنية متردية مع الجريمة وغسل الأموال والشركات المتعثرة.
هنا يعيش مستأجرون منذ سنوات وسط شكاوى من بقّ الفراش والصراصير، بينما ترتبط بعض الشقق بعناوين شركات وأشخاص متورطين أو مشتبه بهم في جرائم مختلفة.
ويقول مالك العقار إن المبنى فندق، فيما تعتبره بلدية هودينغه وجهات رسمية أخرى مبنى سكنيًا يعيش فيه مستأجرون بصورة فعلية.
محاولة قتل في الطابق العلوي
في إحدى أمسيات أواخر أبريل قبل أكثر من عامين، دوّى صراخ من الطابق العلوي. داخل إحدى الشقق، طعن رجلٌ رجلًا آخر في العنق والصدر والساق. امتلأ الممر بالدماء، لكن الضحية نجا، فيما حُكم لاحقًا على الجاني بالسجن سبع سنوات بتهمة الشروع في القتل.
لكن حادثة الطعن ليست سوى جزء من قصة أكبر. فقد أصبح المبنى، بحسب ما تكشفه الوقائع والوثائق، نقطة تتقاطع فيها الجريمة والبؤس الاجتماعي وممارسات تجارية مثيرة للتساؤلات.
من الخارج، لا يبدو المكان مبنى سكنيًا. إنه مبنى كبير مكسو بصفائح معدنية حمراء، تحيط به شركات ومستودعات وطرق تمر عبرها الشاحنات الثقيلة.
وعند الدخول من باب معدني رمادي، تظهر بقع داكنة على الأرض، وفي زاوية من ممر الطابق الأرضي نشارة خشب تغطي شيئًا تفوح منه رائحة القيء.
ورغم أن مالك العقار يصف المكان بأنه فندق، لا يظهر أي موظفين في الموقع.
ويضم المبنى، وفق المعلومات المتاحة، 67 شقة صغيرة. وتشير بيانات مصلحة الضرائب السويدية إلى أن نحو 300 شخص كانوا مسجلين على هذا العنوان خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما أصبح عدد كبير منهم اليوم مسجلين باعتبارهم مهاجرين إلى الخارج أو مجهولي المكان. كما يكشف التدقيق عن وجود هوية مزيفة.
«هذا هو البيت الذي نسيه الله»
على جدران المبنى تصطف صناديق البريد، تحمل بعضها شاشات إلكترونية بأسماء، بينما أضيفت إلى صناديق أخرى أوراق ملونة تحمل أسماء مختلفة.
في إحدى الشقق يعيش هوكان، وهو رجل في الستينيات من عمره أمضى أكثر من أربع سنوات في المكان.
يقول:
«هذا هو البيت الذي نسيه الله».
ويتذكر زيارة موظفين من مصلحة الضرائب كانوا يبحثون عن شخصين اعتقدوا أنهما يعيشان في غرفته، لأنهما كانا مسجلين رسميًا على عنوانها.
ولا يزال هوكان، بحسب روايته، يتلقى رسائل بريدية موجهة إلى أشخاص آخرين.
وتبلغ مساحة شقته نحو 16 مترًا مربعًا فقط، وقد اشترى بنفسه موقدًا صغيرًا وفرنًا يعمل بالهواء الساخن ليتمكن من إعداد الطعام.
شقق مرتبطة بجرائم وشركات
يكشف فحص الأشخاص والعناوين المرتبطة بالمبنى عن صلات متكررة بقضايا جنائية. فعدد من المسجلين على العنوان سبق أن أدينوا أو اشتُبه بهم في جرائم تشمل السرقة والاعتداء والمخدرات والتعامل بالممتلكات المسروقة.
وفي إحدى الشقق القريبة من هوكان، خُزّن مسدس استُخدم لاحقًا في إطلاق النار على مدخل مبنى سكني في سولنتونا.
وفي شقة مجاورة، كان مسجلًا رجل يبلغ من العمر 31 عامًا، شارك خلال سنوات قليلة في مجالس إدارة 26 شركة سويدية انتهت جميعها بالإفلاس.
وتبين لاحقًا أن إحدى شركاته استُخدمت ضمن مخطط لغسل الأموال بلغت تعاملاته ما لا يقل عن 52 مليون كرونة سويدية. وتشير ملابسات القضية إلى أن الرجل ربما استُخدم كواجهة توضع باسمه الشركات لحماية الأشخاص الذين يديرون النشاط الإجرامي فعليًا.
وبشكل إجمالي، يظهر نحو 20 شركة سبق تسجيلها على عناوين شقق مختلفة داخل المبنى. وقد أفلست غالبية هذه الشركات، فيما ترك عدد منها وراءه شبهات بجرائم ضريبية وديونًا ضريبية كبيرة.
شقق وصناديق بريد للإيجار
على باب أبيض في أحد الممرات، تظهر ورقة تحمل اسم شركة BOSB Nordic ورقمًا للدفع عبر خدمة «سويش». ومن خلال الشركة يظهر اسم أوليغ سيريدين.
وعبر منشورات عديدة على فيسبوك، جرى الإعلان عن شقق وصناديق بريد على عنوان المبنى نفسه باستخدام حسابات تحمل أسماء مختلفة، من بينها «داني سفينسون» و«أندرس سفينسون» و«توني ريكاردسون» و«فيفالدي كنوت» و«أليكس سكوغاس».
لكن التدقيق في صور الحسابات يكشف أن الصور تعود إلى الرجل نفسه. وتظهر إحدى الصور أيضًا على شبكة لينكدإن، لكن باسم مختلف: أوليغ.
كما تتكرر في الإعلانات جميعها تقريبًا وسيلة اتصال واحدة.
وعند الاتصال بالرقم، يجيب شخص يعرّف نفسه باسم أوليغ، موضحًا أن مجموعة من الأشخاص تتعاون في عمليات التأجير.
ويقول إن استئجار صندوق بريد يكلف 500 كرونة شهريًا للأفراد وألف كرونة للشركات، بينما تتراوح تكلفة الشقق بين 6500 و7000 كرونة شهريًا.
1.4 مليون كرونة في حسابات خاصة
أوليغ سيريدين، البالغ من العمر 56 عامًا، هو المسؤول عن عمليات التأجير في المبنى عبر شركة BOSB Nordic.
وتظهر وثائق قضائية أنه تلقى مدفوعات من عدة مستأجرين مباشرة في ثلاثة حسابات مصرفية شخصية.
وتكشف قوائم طويلة من التحويلات عبر «سويش» عن دفعات تحمل عبارات مثل «العنوان: 500» و«دفع الإيجار»، إلى جانب أسماء وأرقام شقق مختلفة.
وخلال عام 2022 وحده، تلقى سيريدين نحو 1.4 مليون كرونة.
وقد أُدين لاحقًا، من بين أمور أخرى، بجريمة تتعلق بمخالفات محاسبية لعدم تسجيل هذه المدفوعات في الحسابات. وقال إن الأمر كان نتيجة خطأ، إلا أن المحكمة اعتبرت تصرفه متعمدًا، وحكمت عليه بعقوبة مشروطة و160 ساعة من الخدمة المجتمعية. وقد جرى الطعن في الحكم.
فندق أم مبنى سكني؟
تملك شركة Gaviton fastigheter AB العقار منذ عام 2014، وفي عام 2021 استعانت بشركة BOSB Nordic التابعة لسيريدين لتأجير الوحدات.
وبعد عامين، حاولت بلدية هودينغه وقف النشاط، لكن محامي مالك العقار، لارس بيرتز، طعن في القرار أمام مجلس المحافظة ونجح في ذلك.
وكانت البلدية قد رصدت صراصير وبقّ فراش في شقق داخل المبنى. كما فرضت غرامة بسبب عدم قيام الشركة المالكة بمكافحة الآفات.
وتتمحور إحدى نقاط الخلاف الرئيسية حول طبيعة النشاط نفسه.
فالبلدية وجهات رسمية أخرى تعتبر أن المبنى يُستخدم للسكن وأن المقيمين فيه مستأجرون يستأجرون شققًا. في المقابل، يؤكد المحامي لارس بيرتز وشركة Gaviton أن المبنى فندق.
أما حقيقة إقامة هوكان وآخرين فيه لسنوات، فيفسرها الجانب المالك بأن سيريدين استخدم، عن طريق الخطأ، نماذج عقود غير صحيحة عند التأجير.
علاقة ممتدة بين المحامي ومسؤول التأجير
لا يقتصر دور المحامي لارس بيرتز على تمثيل مالك العقار في مواجهة محاولات البلدية وقف النشاط. فهو أيضًا عضو في مجلس إدارة Gaviton fastigheter، كما أنه أسس شركة BOSB Nordic قبل أن ينقلها إلى أوليغ سيريدين.
وتعود العلاقة بين الرجلين إلى سنوات.
ففي عام 2015، عندما وُجهت إلى سيريدين تهمة في قضية محاسبية أخرى، تولى بيرتز الدفاع عنه.
وفي قضية لاحقة تتعلق بفواتير غير صحيحة وعمالة غير معلنة، مثّل بيرتز إحدى شركات سيريدين في مواجهة مصلحة الضرائب. وفي اليوم نفسه، حوّل مستأجرون في المبنى الصناعي 13,500 كرونة إلى الحساب الشخصي لسيريدين.
وفي العام الماضي، مثّل بيرتز سيريدين مجددًا في نزاع حول إيجار مرتفع لإحدى الشقق. ودفع بأن الشخص المعني لم يكن مستأجرًا لشقة، وإنما لنزل فندقي لا يخضع للسقف نفسه للإيجارات.
لكن هيئة شؤون الإيجارات لم توافق على ذلك، وحصل المستأجر على قرابة 10 آلاف كرونة تعويضًا عن الإيجار الزائد الذي دفعه خلال ثلاثة أشهر.
«إذا حصلت على الفرصة سأغادر فورًا»
داخل غرفته الصغيرة، يتحدث هوكان عن زيارات الشرطة المتكررة، وبيع المخدرات، ومشكلات الصراصير وبقّ الفراش لدى بعض جيرانه.
وقد نجا حتى الآن من انتشار الحشرات في شقته، لكن ابنتيه تشعران بالقلق عليه وتريدان منه الرحيل.
ويقول إنه ينتظر الحصول على شقة مخصصة لكبار السن.
«إذا أتيحت لي الفرصة، سأغادر من هنا في اليوم نفسه».
الأطراف المعنية ترد
سعت «Hem & Hyra» إلى إجراء مقابلات مع المحامي لارس بيرتز وأوليغ سيريدين ومالك شركة Gaviton fastigheter، من دون نجاح.
وفي ردود مكتوبة، أكدوا أن العقار يُدار باعتباره فندقًا منخفض التكلفة، حيث تبلغ تكلفة الغرفة بضع مئات من الكرونات في الليلة.
ونفى سيريدين الاتهامات المتعلقة بتلقي مدفوعات غير معلنة. كما أقر بأنه يقف وراء حسابات فيسبوك المختلفة التي تروج للعقار، لكنه يرى أن استخدام عدة حسابات ليس أمرًا مشبوهًا بحد ذاته، وأن الحسابات تُستخدم لتسويق نشاط فندقي تجاري.
وقال إن غالبية النزلاء «يشعرون بالأمان في الفندق»، وإنه يعمل بصورة نشطة للحفاظ على النظام والأمن، مع إقراره بوقوع «حوادث فردية وجرائم عنف» في العقار.
وأضاف أن الشرطة تُستدعى فورًا عند الحاجة، وأن الفندق يتعاون معها، مؤكدًا اتباع «سياسة عدم التسامح مطلقًا مع الجريمة».
كما أكد وجود مشكلات سابقة مع الآفات، مشيرًا إلى الاستعانة بشركة Anticimex لمعالجتها.
ويؤكد كل من سيريدين وبيرتز أن تأجير صناديق البريد للشركات نشاط قانوني، وأنهما لم يكونا على علم باستخدام شركات مستأجرة لهذه الصناديق في أنشطة إجرامية، بما في ذلك غسل الأموال.
أما بشأن إدانته عام 2025 بسبب عدم تسجيل مدفوعات الإيجار محاسبيًا، فيقول سيريدين إنه لم يقصد إخفاء الإيرادات أو ممارسة أي نشاط غير معلن، وإن الضرائب المستحقة دُفعت وإن الحكم خضع للطعن.
من جانبه، يؤكد المحامي لارس بيرتز علاقته بسيريدين، لكنه لا يرى فيها تعارضًا. ويقول إن عضويته في مجلس إدارة Gaviton fastigheter تندرج ضمن نشاطه في مجال قانون الأعمال، وإنه يجري دائمًا تقييمًا لاحتمال وجود تضارب في المصالح قبل قبول أي مهمة.
ويشدد بيرتز على أن تمثيل شخص مشتبه به أو متهم أو مدان بجريمة يمثل جزءًا طبيعيًا من عمل المحامي ومن وظيفة دولة القانون، وأن مهمة المحامي هي حماية حقوق موكله ومصالحه ضمن حدود القانون والقواعد المهنية.
هذا النص مكتوب باللغة السويدية من قبل صحفيات وصحفي Hem & Hyra. ثم تُرجم النص إلى اللغة العربية باستخدام الذكاء الاصطناعي، وفريق التحرير قام بمراجعته وتدقيقه.


